السيد أحمد الهاشمي

288

جواهر البلاغة

فيرسل إليك التشبيه : من طريق خفي ، ليرتفع الكلام إلى مرتبة أعلى في البلاغة وليجعل لك من التشبيه الضمني دليلا على دعواه ، فإنه ادعى : أنه لعلوّ منزلته ينحدر المال من يديه ، وأقام على ذلك برهانا . فقال وكيف تمسك ماء قنة الجبل أو يقول : [ الطويل ] جرى النهر حتى خلته منك أنعما * تساق بلا ضنّ وتعطى بلا منّ « 1 » فيقلب التشبيه زيادة في المبالغة ، وافتنانا في أساليب الإجادة . ويشبه ماء النهر بنعم الممدوح ، بعد أن كان المألوف ، أن تشبه النعم ، بالنهر الفياض أو يقول : [ البسيط ] كأنه حين يعطي المال مبتسما * صوب الغمامة تهمي وهي تأتلق « 2 » فيعمد إلى التشبيه المركب ، ويعطيك صورة رائعة ، تمثل لك حالة الممدوح وهو يجود ، وابتسامة السرور تعلو شفتيه ، أو يقول : [ البسيط ] جادت يد الفتح والأنداء باخلة * وذاب نائله والغيث قد جمدا فيضاهي بين جود الممدوح والمطر ، ويدعي أنّ كرم ممدوحه لا ينقطع ، إذا انقطعت الانداء ، أو جمد المطر ، أو يقول : [ الكامل ] قد قلت للغيم الرّكام ولجّ في * إبراقه وألحّ في إرعاده « 3 » لا تعرضنّ لجعفر متشبّها * بندى يديه فلست من أنداده فيصرح لك في جلاء ، وفي غير خشية بتفضيل جود صاحبه على جود الغيم ، ولا يكتفي بهذا ، بل تراه ينهى السّحاب في صورة تهديد أن يحاول التشبه بممدوحه ؛ لأنه ليس من أمثاله ونظائره ، أو يقول : [ الطويل ] وأقبل يمشي في البساط فما درى * إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي

--> ( 1 ) . الضن البخل ، والمن الامتنان بتعداد الصنائع . ( 2 ) . تهمي تسيل ، وتأتلق تلمع . ( 3 ) . الغيم الركام المتراكم . لجّ وألجّ كلاهما بمعنى استمر .